الإعلان

المشاركون في "استراتيجيات": نشاط سوق مسقط للأوراق الماليَّة لا يعكس حقيقة الوضع الاقتصادي في السلطنة

الاستثمار المؤسسي في السلطنة لا يقوم بالدور المُنتظر منه فعليَّا-

◄ نحتاج إلى استراتيجيَّة لسوق المال تتفاعل مع التحديات التي تواجه الشركات العائليَّة-
◄ قطاع سوق المال لم يقم بدوره المنشود في التفاعل مع الاقتصاد الوطني حتى الآن-


استضاف برنامج "استراتيجيات" -الذي يقدِّمه الإعلامي يوسف الهوتي- الأسبوع الماضي، سعادة الشيخ عبدالله بن سالم السالمي الرئيس التننفيذي للهيئة العامة لسوق المال، وأحمد بن صالح المرهون مدير عام سوق مسقط للأوراق المالية، وصاحب الأعمال علي بن محمد جمعة اللواتي الرئيس التنفيذي لشركة الرؤية لخدمات الاستثمار للحديث حول الواقع الحالي لسوق مسقط للأوراق المالية، وإيجابيات وسلبيات الجانب التنظيمي لسوق رأس المال في السلطنة، إضافة إلى استراتيجية قطاع سوق رأس المال خلال المرحلة المقبلة.

الرؤية - مدرين المكتومية-

بدأت النقاشات بسؤال من الهوتي قال فيه: من واقع الأرقام والإحصائيات المتوفرة والمنشورة، أتضح أن هناك ضعفًا في قطاع سوق المال، لا يتناسب وحجم الإنفاق على المشاريع، وتوجه السلطنة لبناء منظومة اقتصادية متكاملة.. فما هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك؟

- السالمي: يحظى موضوع الأسواق المالية باهتمام بالغ في جميع الدول؛ وذلك لما تقوم به هذه الأسواق من دور مهم في ضخ السيولة وتوجيهها في قنوات استثمارية تعمل على دعم الاقتصاد الوطني، وتُزيد من معدلات النمو للأفراد. وتنقسم الأسواق المالية إلى: سوق النقد الذي يقوم الجهاز المصرفي فيه بالدور الرئيسي، ويشتمل على أوراق الدين قصيرة الأجل وهي ذات قابلية عالية للتحويل السريع إلى نقد. والكثير من هذه الأوراق المالية تتداول بفئات كبيرة، وبالتالي لا يستطيع المستثمرون الأفراد المتاجرة فيها مباشرة، إلا من خلال صناديق سوق النقد الاستثمارية، وتقوم هذه الصناديق الاستثمارية بتجميع أكثر الموارد من المستثمرين وتشتري نطاقا واسعا من أوراق سوق النقد نيابة عنهم.
المكوِّن الثاني لسوق المال؛ هو: سوق رأس المال؛ هي عبارة عن تلك السوق التي تجمع وتركز على عرض وطلب الأموال لأجل طويل. وهذا ما يميزها عن السوق النقدية التي تتعامل بالائتمان لأجل قصير.
كما تتميز السوق المالية بكونها تتعامل فيما يسمَّى بالأوراق المالية؛ سواء كانت أوراقَا حكومية أو أوراقًا لمشروعات خاصة، بخلاف السوق النقدية التي تتعامل أساسًا فيما يسمى بالأوراق التجارية، وتتواجد مؤسسات السوق المالية عادة في البلدان التي يكون فيها النظام المصرفي (البنوك) متكاملاً، وهي تشتمل على مصارف الاستثمار، ومصارف الأعمال، والمصارف العقارية والبورصات وشركات التأمين.
ويضيف: يفترض بالفعل أن يكون لسوق رأس المال دورٌ كبيرٌ في المساهمة في تمويل المشاريع الاقتصادية في أي بلد. وفي السلطنة -والحمد لله- الاقتصاد جيد، والناتج المحلي بلغ 30 مليار ريال عماني تقريبًا، ويُفترض أن يكون لقطاع رأس المال دورٌ كبيرٌ في تمويل هذا الاقتصاد.. والواقع مثلما ذكرت أن قطاع سوق المال لم يقم بدوره المنشود أو المأمول في التفاعل مع الاقتصاد الوطني حتى الآن، وعندما ننظر إلى مؤشرات الأرقام، نجد أن حجم رأس سوق المال الآن يمثل تقريبًا 38% من إجمالي الناتج المحلي. وهذا يؤشر على أن هناك فجوة يجب أن تغطى. ويتساءل سعادته: لماذا لا يستغل سوق رأس المال في تمويل المشاريع الاقتصادية المختلفة؟
ويجيب عن تساؤله بقوله: نحن كمسؤولين ومعنيين في هذا القطاع نتوجه بهذا السؤال للقطاع الخاص؛ لانهم المسؤولون، في حين تقتصر مسؤوليتنا نحن على أن نوفر البيئة المناسبة لقطاع سوق رأس مال، والبيئة التشريعية. والحمدالله، يُشار إلينا بالبنان في المنطقة بالكامل على أساس أن سوقنا من أفضل الأسواق تنظيمًا مع الإجراءات واضحة. وفي اعتقادي أنها إلى حد كبير سهلة وميسَّرة.
وفي تصوري أن هناك عزوفًا وقلة مبادرات من قبل القطاع الخاص، وعلى مدى الثلاث سنوات الماضية رأينا أن سوق الإصدارات الأولية ضعيفٌ جدًّا، لا توجد هناك مبادرات إلا ما ندر، رأينا العام الماضي بنكين إسلاميين تم طرحهما، وهذا لأن القانون يتطلب أن تكون البنوك شركات مساهمه عامة، لكن القطاع الخاص لا يبادر بمشاريع كبيرة ولا يتوجه قطاع سوق المال لتوفير التمويل المناسب، ويُفترض أن يكون هناك نوعٌ من التوافق والتوازن بين اللجوء إلى البنوك واللجوء إلى قطاع سوق رأس المال.
ويقول: في الفترات الماضية وفي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لم يكن القطاع الخاص قد وصل بعد إلى المستوى الذي يُبادر فيه بمشاريع كبيرة. وكانت الحكومة هي التي تقوم بمبادرات عن طريق تأسيس مشاريع كبيرة باعتبارها شركات مملوكة بالكامل للحكومة، ومن ثم تم طرح هذه المشاريع من خلال الشركات، وهذه الشركات بالفعل هي الشركات القائدة في السوق. ولدينا أمثله مثل: "شركة أسمنت عمان، وشركة المطاحن، وشركات خدمات الموانئ"، وغيرها من الشركات التي أسستها الحكومة ومن ثم طرحتها، ونتمنى الآن من الحكومة -طالما أن القطاع الخاص لا يبادر ولا يأتي بمشاريع كبيرة- أن تأخذ هذا الدور وأن تطرح بعض المشاريع والعائد من هذه المشاريع يُستغل أيضًا لتأسيس مشاريع تطرح مستقبلا.

الإصدارات الأولية

الهوتي: الإصدارات الأوليَّة في السوق العُماني تمثل حوالي 2.5% أي 300 مليون ريال عُماني تقريبًا من جملة الـ30 مليار دولار هي قيمة الإصدارات في الأسواق المالية المجاورة.. فكيف نفهم ذلك؟

- المرهون: إذا تحدثنا عن الفترة من 2007 إلى 2012، سنجد أن حجم الاكتتابات في دول مجلس التعاون بلغت حوالي 12 مليارًا ونصف المليار ريال عماني، نصيب سوق مسقط للأوراق المالية منها يقارب 550 مليون ريال عُماني، أي ما نسبته 4.5  وهي نسبة متدنية إذا أخذنا المبلغ الكبير للاكتتابات التي طرحت خلال هذه الفترة، ولو تحدثنا عن العام 2012 فسنجد أننا لم نشهد اكتتابات أوليَّة ما عدا بنك نزوى وبنك العز، ولولا اشتراطات البنك المركزي بأن تكون البنوك شركات مساهمة عامة، لكانت هذه البنوك شركات مقفلة. وبالتالي كان نصيبنا لا بأس فيه، يعني 250 مليون ريال عماني، وهذا لا يتناسب مع حجم الاقتصاد العماني، نحن على ثقة في أن الاقتصاد العماني مستمرٌ والناتج المحلي الاجمالي وصل إلى ما فوق الـ30 مليار ريال عماني؛ وبالتالي فإن ما يحصل في سوق مسقط للأوراق المالية لا يعكس بالضرورة النشاط الاقتصادي في السلطنة.. نحن نرى أن هناك مشاريع ضخمة وعملاقة، وإنفاقًا كبيرًا من الدولة، ولا نرى هذا قد انعكس على حالة السوق.. ربما يكون لعامل الخلفية التاريخية نصيبٌ في ذلك، على اعتبار أنه في السابق كانت الشركات المساهمة تنشأ بأعداد محدودة للأفراد، وبالتالي استمرت هذه الثقافة معنا إلى الآن.
العامل الآخر أن هناك مشاريع كبيرة كذلك أنشأتها الحكومة بالشراكة مع مؤسسات أو مع شراكة أجنبية في صُحار وبعض المناطق الأخرى، وفي اعتقادي كان من الممكن أن تستغل هذه الشركات الفائض المالي الموجود في البنوك التجارية؛ من خلال المساهمة في طرح جزء من هذه الشركات للمساهمة العامة.. ونتيجة لهذا الأمر أولًا ستمتص السيولة النقدية في البنوك، ومن ثم ستتم إتاحة فرص استثمارية للأفراد حاملي هذه الأموال ومالكيها؛ بدلا من أن توضع في البنوك بفوائد منخفضة.. ونعتقد أن سوق مسقط بحاجة إلى ذلك، لربما وأن هذا هو أحد المحاور التي تتناولها هذه الحلقة من خلال إنشاء شركات جديدة.

الهوتي: قلة المبادرات من القطاع الخاص.. هل لها أسبابٌ معينة؟ ولماذا يتراجع  المؤشر العام للإصدارات الأولية برغم الإنفاق الضخم، على مختلف المشاريع في السنوات الأخيرة؟ فكما نعلم هناك مشاريع بمليارات الريالات العُمانية، فقط في قطاع النقل والاتصالات (8.5 مليار ريال عماني) مع توفر السيولة المالية... لماذا هذا التراجع؟

- اللواتي: يجب أن نعي أن الأسهم ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من منظور القطاع الخاص أو منظور الحكومة. والسؤال: لماذا أبادر لكي أؤسس مشاريع في سوق الأسهم، أو أطرح مشاريع جديدة؟ لابد أن تكون الأهداف المباشرة وغير المباشرة واضحة، ومن هنا يبدو لي أننا نحتاج إلى استراتيجية جديدة لسوق المال تتكامل وتتفاعل مع الأولويات والتحديات التي تواجه القطاع الخاص بشركاته الكبيرة الخاصة أو ما يسمى بالشركات العائلية، والتي تعتمد في جلِّ ومعظم أعمالها على الإنفاق الحكومي، أو الأولويات والتحديات التي تواجه الحكومة، والتي من الممكن أن تعالجها بالاضافة إلى المبادرات الأخرى، بتفعيل دور سوق المال في هذه التحديات. على سبيل المثال: نحن نعلم أنه في الحقبة الأولى من النهضة المباركة، أو في الحقبة الثانية من الثمانينيات، بادرت الحكومة وأسست شركات ناجحة، ولا تزال هذه شركات حكومية، كانت هناك حاجة ملحَّة في تلك الحقبة أن يتم ذلك لأن القطاع الخاص لم يكن جاهزًا؛ لذلك قدمت الحكومة المبادرات، وبعد ذلك فعَّلت دور القطاع الخاص؛ بتشجيع القائمين عليه على الدخول في قطاع الصناعات التحويلية، بميزات مالية وتسويقية وأولوية في المناقصات للمنتج العماني، وأصبحت لدينا حركة جيدة في هذه الصناعات. وقالت الحكومة: حتى تستفيدون من هذه المزايا فلابد أن تكون المؤسسات شركات عامة.
.. إذن التحفيز الأساسي يأتي من الحكومة، وفي الوقت الحالي حينما نستقرئ التجربة الماضية للاستفادة منها في الوضع الحالي، نجد أن الأولويات في السلطنة؛ سواء كحكومة أو قطاع خاص، أو مواطنين، هي خلق الوظائف وتعزيز وتحسين دخل الفرد العماني.
وهنا نقول: إن التمدد الأفقي للقطاع الخاص، يجب ألا يكون مركزًا في بعض الشركات العائلية، بل يجب أن يستوعب ثقافة عمل وثقافة إنتاجية الإنسان العماني.
والسؤال -بحسب كلام اللواتي- هل يمكن للحكومة أن تستغل سوق رأس المال بطريقة فعالة، لكي يلعب دوره في حل هذه المشكلات؟

الهوتي: ما هو تأثير سوق المال على الاقتصاد؟ وهل نستطيع أن نتوسع أفقيًّا لنعيد الاعتبار إلى الطبقة الوسطى؛ من خلال التحفيز الخاص على المبادرات من القطاع الخاص بالمشاركة مع الحكومة، بحيث ننمِّي سوق رأس المال؟

- السالمي: أعتقد أن سوق رأس المال ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتمويل المشاريع؛ سواء كانت مشاريع حكومية أو مشاريع يقوم بها القطاع الخاص. ومن هنا نحن نقول إننا كقطاع سوق المال نرى أن هذه الوسيلة جاهزة من حيث التشريعات، ومن حيث الأطر القانونية، والأطر التشريعية؛ ومن حيث الأطر التنظيمية، والأطر الرقابية، وتبقى نقطة تفعيل هذه الأداة بشكل صحيح لتقوم بدورها، وأعتقد أن الأرقام تشير إلى أن هناك ودائع كبيرة لدى البنوك والسيولة موجودة، ومن أهم الاغراض التي يقوم من أجلها سوق المال: تجميع هذه المدخرات، وتجميع هذه الأموال وادخارها في مشاريع اقتصادية ذات عوائد إنتاجية، فنحن بحاجة إلى توسيع اقتصادنا، وأن نأخذ به تدريجيًّا بعيدًا عن الاعتماد الكلي على النفط والغاز. وهذا جانب لابد أن ننتهي منه في وقت محدد؛ بحيث يكون لدينا بالفعل اقتصاد حقيقي قائم على قطاعات مختلفة، قائم على مؤسسات إنتاجية فعليَّة.
الجانب الاخر هو أننا أمام تحدٍ يتعلق بخلق فرص عمل لمواطنينا، وهذا لا يتأتي إلا من خلال المشاريع الاقتصادية الكبيرة؛ فهي التي تخلق هذه الوظائف، وبالتالي سوف نجد أن هناك سوق رأس مال فعلًا بحجم مناسب، وبعمق مناسب، وبسيولة مناسبة، تستقطب الاستثمار من الداخل والخارج. وكما ذكر، فإن الموازنة هذا العام 13 مليار ريال، عندما نأتي لتقييم الوضع في نهاية السنة، لنرى كم المتبقي من هذه الـ13 مليارًا في داخل الاقتصاد الوطني، بالطبع سوف نجده قليل.. لماذا؟ لأن معظم هذه الأموال تتسرب في شكل تحويلات.

عمق السوق

الهوتي: السوق بالفعل يفتقر إلى العمق.. هناك بعض المحللين يقولون بأن نسبة 11% فقط من حجم الأدوات الماليَّة المتوفرة في السوق من أسهم السندات والصناديق متاحة للتداول في السوق.. لماذا؟

- المرهون: طرح مشاريع جديدة ليس إضافة لسوق مسقط بحد ذاته، ولكن هو إضافة للاقتصاد ككل، بمعنى أنني أساهم في التنمية الاقتصادية، وبالتالي أخلق اقتصادًا قادرًا على خلق فرص عمل كبيرة في السلطنة. الجانب الآخر: الملكية، وقد أشرت سابقًا إلى أنه ربما هناك عادة وثقافة بأنه في الماضي كان تأسيس الشركات يتم من خلال أعداد معينة من الناس، وهؤلاء يحاولون أن يحافظوا على ملكيتهم في هذه الشركات. وقد رأينا أن الاستثمار المؤسسي وفق الإحصائيات لنهاية العام الماضي هو 18% للأفراد و82% استثمار مؤسسي. الاستثمار المؤسسي في سلطنة عُمان أو في سوق مسقط للأوراق المالية، لا يقوم بالدور الذي يجب أن يقوم به.. فنحن نرى أن الاستثمار المؤسسي في السلطنة هو استثمار للتجميع؛ سواء كان من خلال الصناديق -وهي فاعلة في السوق- أو من خلال بعض الأفراد الذين يُطلق عليهم كبار المستثمرين، وهؤلاء الناس يجمعون الأسهم، وهذا هو أحد العوامل التي خلقت الشحَّ في السوق؛ بسبب تركز الملكيَّة وقلة المشاريع.
والجدير ذكره أن الحلقة تناولت العديد من المحاور المهمة والدسمة في هذا الشأن، والتي يمكن من خلالها التعرف أكثر على سوق مسقط للأوراق المالية، وأسباب التراجع والارتفاع، وغيرها من الأسباب الأخرى والتحديات التي تواجه هذا القطاع.