الإعلان

القانون العلمي واستنتاجات "هوكنج"

د. حسن أحمد جواد اللواتي-

يعرَّف القانون العلمي بأنه "تصريح مبنيٌّ على ملاحظات تجريبية متكررة تصف بعض أنحاء العالم"، ومن خصائصها وشروطها أنها تنطبق فقط على نطاق تلك الملاحظات التي اشتقت منها، وأنها تنطبق دائمًا بنفس الطريقة في نفس ذلك النطاق تحت نفس الظروف الطبيعية.

إن التدقيق في تعريف القانون العلمي يوضح أنه وصف لعلاقة وجودية بين الأشياء الطبيعية (في مقابل العلاقات الاعتبارية التي يتم الاتفاق عليها بين البشر من قبيل العلاقة بين ألوان مصابيح الإشارات الضوئية وقوانين المرور)، بمعنى أن هناك علاقة ضرورية بين وجود الشيء الطبيعي (أ) ووجود الشيء الطبيعي (ب)، وهذه العلاقة -كما يتضح من الفقرة السابقة- لا تختلف ولا تتخلف في ظل ظروف طبيعية معينة، والقانون العلمي يصف تلك العلاقة بين الشيئين (أ) و(ب) ويعبر عنها من خلال الألفاظ تارة أو من خلال التعبير الرياضياتي تارة أخرى.

وحينما نتكلم عن حكم القانون، فإننا في الواقع نتكلم عن تلك العلاقة الضرورية بين الأشياء الطبيعية، والتي نستطيع أن نقول إنها علاقة العلية أو السببية بين تلك الأطراف؛ حيث إن وجود الطرف (أ) في ظل ظروف معينة، يحتم وجود الطرف (ب) بالضرورة، وأن وجود الثاني هو نتاج ضروري لوجود الأول، وهذا هو جوهر قانون العلية.

وعند هذه النقطة يتبادر إلى الذهن سؤال آخر: كيف نتعرف على القانون العلمي؟ هل الاستقراء وعملية تسجيل التكرار في الملاحظات هو ما ينتج القانون الطبيعي؟ ولكن كما ستلاحظ أن الاستقراء إن كان كاملا وشمل كل العينات الموجودة والتي يمكن أن توجد في كل زمان ومكان فإنك عندها لا تحتاج لقانون طبيعي، أما إن كان الاستقراء ناقصا فعندها تطرأ مشكلات أخرى على استنباط القانون واستنباط علاقة السببية من تلك المشاهدات، ما هو عدد التكرار المطلوب في الملاحظات التجريبية حتى نقول إن هناك علاقة سببية بين أطراف الملاحظة وأن هناك قانونا علميا يربط بين تلك الأطراف؟ وعلى سبيل المثال: عندما نسخِّن عينة من الماء في ظل ظروف طبيعية معينة، فإننا نجد أنه يبدأ في الغليان عند درجة الحرارة 100 مئوية، وعندما نكرر عملية التسخين لنفس العينة من الماء مرارا نجد أن الغليان يحدث في نفس درجة الحرارة، ثم ننتقل إلى عينة أخرى من الماء تحت نفس الظروف الطبيعية ونسخنها فنجد أن الغليان يحدث في نفس درجة الحرارة، ومع تكرر هذه الملاحظة نستنتج أن الماء (في كل زمان ومكان) يغلي عند درجة حرارة 100 مئوية في ظروف طبيعية معينة، وهنا يحق لنا أن نتساءل عن السبب في هذا التعميم الذي أخذناه من ملاحظات جزئية محددة في أماكن معدودة وأزمنة معدودة، كيف تسنى لنا أن نحكم أن الماء في زمان مستقبلي ومكان مختلف سيسلك نفس السلوك إذا توفرت له نفس الظروف الطبيعية؟ فلعل الغليان عند درجة حرارة 100 مئوية في ظروف طبيعية معينة مقصور على تلك العينات التي لاحظناها في تجاربنا فقط وأنه سيحدث في درجة حرارة أخرى في نفس الظروف الطبيعية في مكان آخر أو زمان آخر.. إن الملحوظات التجريبية التي قمنا بها والتي يمكننا أن نقوم بها جزئية محدودة معدودة وقليلة جدا بالنسبة إلى مجموع الحالات في الطبيعة، فحتى لو قمنا باختبار آلاف العينات من المياه في الطبيعة، فإن تلك الآلاف تعتبر قليلة جدا بالنسبة إلى مجموع عينات المياه في الأرض (هذا إذا فرضنا أنه لا يوجد ماء في مكان آخر غير الأرض، وهو فرض غير مبرر إطلاقا).

.. إن ما قمنا به في عملية صنع القانون العلمي هو أننا صنعنا جسرا بين تلك الحالات التجريبية القليلة جدا وبين تلك الحالات الأخرى الكثيرة جدا والتي لم يتم تجربتها وقمنا بتسرية وتمرير حكم الحالات القليلة جدا عبر ذلك الجسر إلى تلك الحالات الكثيرة جدا وألصقنا ذلك الحكم بها، ومن حقنا بالطبع أن نتساءل عن ذلك الجسر السحري الذي يأخذ حكما من القليل المجرب من العينات ويلصقه بالكثير غير المجرب منها.

إذن نرجع للسؤال: ما هو ملاك استخلاص واستنباط العلاقة السببية بين الطرفين في القانون العلمي؟ وما الذي يجعلنا نعلم أن ما توصلنا إليه هو قانون علمي؟