الإعلان

ليلى والوطنُ الصغير

الدكتور سيف بن ناصر المعمري

"سألت ليلى جدتها: لماذا أشعر بالشوق إلى البيت كلما غادرته؟ فأجابتها: البيت يا ابنتي هو الوطن الصغير الذي لا نستطيع العيش بدونه أبداً، ونشتاق إليه دائماً.. إنهُ العُش الذي نأوي إليه؛ فنشعر فيه بالأمان والاطمئنان... إنهُ الوطنُ".

هذا الاقتباس ليس من كتاب مادة الدراسات الاجتماعية التي ترتبط دائمًا بتعزيز الانتماء الوطني، إنه من الدرس الأول "ليلى والوطن الصغير" في منهج "أحب لغتي" المقرر على تلاميذ الصف الثاني الأساسي، وهو منهج يهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني عند الأطفال الصغار بصورة مبسَّطة تركز على تقديم المفاهيم المعقدة لتكون بمستوى هؤلاء التلاميذ الصغار الذين كانت باسمهم هجمة شرسة على هذا المنهج من قبل العديد من الأطراف خلال السنوات الماضية، وتهجم البعض عليه من على مقاعد مجلس الشورى، ومنصات الندوات والمؤتمرات؛ بل إن أحدهم وصفه بلحن شجي بأنه منهج "الديك والدجاجة"، وأن الجيل الذي درس هذا المنهج جيلٌ لا يفقه معنى الوطن ولا حقيقة الانتماء، ولا يجد تلك القيم الأصيلة التي يجب أن يتعلمها كل عُماني؛ لذا طالب هؤلاء باجتثاث هذا الجهد الذي أعد من قبل كوادر وطنية خلال سنوات متعددة؛ لأن الأشياء دائمًا في نظرنا إما أن يكون لونها أبيض أو يكون لونها أسود، نؤمن بأن أيسر الطرق هو أن ننسف كل شيء ونبدأ من جديد، لكنننا لا نقف قليلا ونتفكر كما يفكر العالم المتقدم، ونقوم باستجلاء حقيقة الأمور حفاظا على الجهد والمال الوطنيين.

لقد أعدتُ اكتشاف هذا المنهج الذي درسته ابنتي خلال العام الدراسي الماضي، وأحبته كثيرا، وتعلمت منه كثيرًا من القيم الوطنية من النصوص الأدبية والشعرية المبسطة، حيث يضم الكتاب بالإضافة إلى هذا الدرس درسًا بعنوان "مدينتي" يتحدث عن مدينة صور وعمقها البحري التاريخي من خلال ثلاثة طلاب عُمانيين؛ هم: مروان، ونورة، وأسماء: "حدثنا مروان عن قرية جده في الجبل الأخضر، وحدثتنا نورة عن صلالة ومهرجانها البديع، وحدثتنا أسماء عن رحلتها مع والديها بالطائرة، وعن شوقها لعُمان وأهلها في أثناء تلك الرحلة.. أما أنا فقد أخبرتهم عن "صور" وبحرها، وقراها، ومحمياتها"، وتوجد أنشودة بعنوان "عُمان المجد" للشاعرة سعيدة خاطر تضم معاني وطنية عميقة "على ذُرى شوامخ النخيل... وفي سرى نسميها العليل... عُمان حب رائع الأصول... عُمان شوق الزهر للحقول"، وفي نص بعنوان "رسالة إلى صديقي" يبعث أحمد برسالة إلى صديقه مازن تتضمن شعوره بعد زيارة كهف الهوتة "عزيزي مازن... مازلت أذكر رحلات كثيرة أخذتنا في ربوع عُمان الحبيبة، وجولات زرنا فيها القلاع والحصون والآثار القديمة، التي تخبر عن حضارة عُمان وعظمة الأجداد"، أما دروس الكتاب الأخرى فهي تركز على القيم الخلقية مثل احترام الأم والبر بها، واحترام الجار، والتعاون مع الأصدقاء، والصحة والنظافة والسلامة.

... إن هذه الدروس ليست في مادة التربية الوطنية إنما هي في كتاب متخصص في تعليم اللغة، وهناك العديد من الصور والأسئلة التي تساعد الطالب على التعبير عن شعوره الوطني، وهي أسئلة لم أجدها حتى في منهج الدراسات الاجتماعية الذي يهدف بشكل أساسي إلى تعزيز المواطنة، ومن ضمنها الأسئلة التالية: "بماذا ستشعر إذا سافرت بعيداً عن وطنك؟"، و"استخرج من النص جملةٌ تصف وطن ليلى، ثم صف وطنك بجملة من إنشائك"، "اكتب بعض مدن وطنك"، وفي الدرس الثاني وضعت قصة مصورة للطلاب مكونة من ثلاث صور كتب عند الصورة الأولى "نورة تحب وطنها كثيراً، ذات يوم أخذت ورقة كبيرة ورسمت عليها علم عُمان ثم لونته بالأحمر والأخضر، ولم تنس الشعار في أعلى اليمين"، وفي أنشودة عُمان المجد يسأل الطلاب "هل أعجبك ما قالته الشاعرة سعيدة خاطر عن وطنها؟ ولماذا؟ كما يُطلب من الطالب في سؤال آخر أن يعبر عن حبه لوطنه عُمان بأنشودة أو جملة أو رسمة، هذا ناهيك عن نشاط الخط الذي يركز على ترسيخ بعض الجوانب الوطنية والتاريخية؛ مثل: "البيت هو الوطن الصغير الذي لا نستطيع العيش بدونه"، و"صور مدينة عريقة تعود إلى زمن بعيد"، و"قابوس نعم القائد الرشيد".

لذا؛ فاليوم نحن بحاجة إلى أن نقف وقفة موضوعية صادقة، حتى لا نمضي إلى التطوير التربوي بصورة نضلل فيها أنفسنا لا لشيء إلا لقصور فهمنا لهذا التطوير، وللأسس التي يجب أن ننطلق منها حتى يكون تطوير تربوي حقيقي، ولقد ذكرت في عدة مناسبات أن التربية ليست هي المنهج إنما هي منظومة مكونة من العديد من العناصر، وأن عدم تحقيق الأهداف التربوية قد لا يكون سببه المنهج بقدر ما يكون سببه العناصر الأخرى، وإذا كان الهدف من المناشدات المتكررة خلال السنوات الماضية هو تقديم منهج يعزز القيم الوطنية، ويساعد على بناء الفخر الوطني، فإن تغيير منهج يتضمن مثل هذه الدروس التي تركز على تعريف الطالب بوطنه ومدنه وهويته والقيم الاجتماعية يعتبر عودة إلى الوراء، ومصادرة لجهد وطني رائع، وتبديد للمال الوطني الذي يجب أن ينفق على تعزيز الإمكانات المادية للمدرسة، وتحسين أحوال المعلمين بدلا من أن يخصص لتغيير مناهج مشبعة بقيم المواطنة.

... إن "ليلى والوطن الصغير" ليس مجرد درس اليوم، إنما هو محطة يجب أن نتوقف عندها لنسأل أنفسنا: هل بالفعل نحن نعرف هذا المنهج؟ أم هي أحاديث سمعناها ونرددها هنا وهناك دون أن نكلف أنفسنا بتصفح هذه المناهج إذا كنا غير قادرين على قراءة الخطاب الوطني المضمن فيها بتأنٍ وعمق، وإذا كان مثل هذا المنهج المشبع بقيم المواطنة ومعانيها النبيلة سيطاله التغير فما شكل المنهج الجديد الذي سيوضع لتعزيز هذه القيم؟ هي أسئلة لم يفت اليوم أوان طرحها في ظل أحاديث مستمرة رسمية وشعبية ما انفكت تطالب بتغيير المناهج التي تعتبر سببا رئيسيا للإخفاق التربوي، وهي من وجهة نظري مجرد أداة يبدو أنه لم يُحسن استخدامها، ولم توفر الظروف المناسبة لتنفيذها؛ لذا فإن العمل على رفع كفاءة منفذيها، وتحسين ظروف أماكن التنفيذ يعتبر من الناحية الموضوعية والعملية والاقتصادية مقدم على تغيير المنهج؛ لأنه من المؤكد أن تقديم منهج جديد بدون تحسين تلك النواحي سيقودنا إلى نفس النتيجة، وربما أن المنهج الجديد لن ينجح في تصوير العلاقة بين ليلى ووطنها كما صوره هذا المنهج الذي -لو أحسن تنفيذه- لن يكتفي بمساعدة الطالب على حب لغته فقط، ولكن سوف يساعده على حب وطنه ويعزز من الانتماء إليه، ومن لا يزال يتشكك في ذلك يمكن أن يخصص وقت خلال هذا الأسبوع للاطلاع على هذا المنهج.

عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته