الإعلان

الخوف.. أبو الأخلاق

سيف بن ناصر المعمري

كان يجلس في طاولة إلى جوارنا. وينصت -دون شعورنا- إلى حديثنا عن الرجل الذي يملأ جرابه رملاً، ولكننا كنا منهمكين في الحديث عن الإشكاليات المرتبطة في العمل... وكيف أنها تعيقنا عن تحقيق التقدم الذي ننشده، وعندما هممنا أن نهي حديثنا.. بادرنا قائلا: كل ما ذكرتم عن اليابانيين صحيح.. ولكن نسيتم قيمة مهمة غير العمل.

حدق صاحبي به؛ مستنكرا اقتحامه المفاجئ لجلستنا، ويبدو أنه شعر بذلك، وأراد أن يُقلل من مشاعر الغضب التي بدأت واضحة على وجه.. فقال: أعتذر لكما عن دخولي المفاجئ، ولكن حديثكم أثارني؛ لأنه عن موضوع يُعايشه الجميع في كل مكان، ولكن لا أحد يتوقف للحديث عنه، فنحن فقدنا الشعور الذي وُجد عند اليابانيين وتغلبوا به على مختلف الظروف التي مرت بهم.

- عن أي شعور تتحدث؟ ونحن نعرف أن الإخلاص في العمل هو العامل الرئيسي الذي يفصل بين الأمم المتقدمة والأمم المتأخرة.

- يبدو أنه سيُعيد تكرار ما تكلمنا عنه ولكن بلغة ثانية، لأنه يعتقد أننا نتكلم عن موضوع لا نفهمه؛ فالتكرار من وجهة نظره يُعلم الشطار، رغم أننا لسنا كذلك، فلو كان كل هؤلاء الذين يرتشفون فنجانين القهوة في هذا المقهى الذي يتوارى خلف هذا المبنى الذي يقوم على بنائه عمال ليسوا منها -وإلا لتطلب الأمر سنوات لكي يُنجز- لما احتجنا أن نتكلم بأنين يطغى على صوت الموسيقى الصاخبة في هذا المقهى، ولا ما احتجنا أن نبحث عن حلول لذلك الذي نراه كل يوم يملأ جوربه رملاً.

- لن أعيد تكرار ما ذكرتم، ولست هنا لأتفلسف عليكم، فزمن الفلاسفة انتهى، ولم يعد لهم مكان، ولكني أحببت أن أساعدكم في إكمال رسم الصورة حتى يمكن لنا أن نفهم لماذا يحدث هذا!!

- طيب. أكمل الصورة أيها الرسام.

- إني أرى أن الإشكالية ليست في الإخلاص في العمل فقط، ولكن هناك قيمة أخرى نحن نفتقدها، وهي من يُسبب لنا كل هذه الإشكاليات، ألا وهي الخوف.

- الخوف؟!!! وهل يُعتبر الخوف قيمة؟

- ألم تسمع الفيلسوف نيتشه يقول: "الخوف أبو الأخلاق"؟

- إذن؛ فماذا تسمي الجرأة؟

- الجرأة أن تعمل ما تشاء دون خوف من أحد.

- كيف ذلك؟!! نحن أمة مسلمة تخاف الله قبل أي أحد؛ ولذلك تواظب على أداء الفروض الدينية في وقتها.

- ولكن ذلك الخوف لا يسكن في أماكن العمل التي كما سمعتنا نتحدث عنها، ونقارنها باليابان.

- هل تريدون حقيقة الأمر؟

- وما حقيقته؟

- نحن أمة لا تخاف على وطنها. وهذا هو الفارق بيننا وبين اليابانيين.

- كيف تقول ذلك ونحن لا نتغنى بشيء أكير من تغنينا بوطننا، ولا ندعي حبًّا يضاهي حبنا لوطننا؟

- أنت تجرنا للكلام المحظور، وهذا له تبعات أخالك تعرفها.

- ومتى كان الحديث عن الخوف على الوطن حديثاً محظوراً.. إنه أعلى درجات الولاء الوطني؛ لأنه بقدر هذا الخوف يكون الحفاظ على مختلف منجزات هذا الوطن ومقدراته وكفاءاته. وعندما يوجد هذا الخوف، لن تجد ذلك المسؤول الذي يتعامل مع مؤسسته وكأنها منطقة خاصة، يُفاضل فيها بين الموظفين ليس بحكم الجدارة والاستحقاق ولكن لاعتبارات أخرى.

- إذن؛ كأنك تقول إنه لا يخاف على وطنه.

- هو لا يخاف من القانون الذي يُحافظ على مقدرات هذا الوطن.

- إن الأمر لا يقتصر عليه فقط عندما يرى الموظفين أن القانون لا يُحترم فلا يخافون منه، مما يترك آثارًا كبيرة على العمل والإنجاز؛ فاللامبالاة تكون ظاهرة جماعية، ومعها تضيع تلك الإمكانات والطموحات التي نحملها؛ لأن لا أحد يخاف لا على وطن، ولا من قانون، ولا على مصلحة عامة.

- إذن؛ يصبح الأمر كما وصفه أبو الطيب المتنبي: "أنا الغريق فما خوفي من البلل؟".

- من يتصرف بدافع الخوف يظل خائفاً، ومن يتصرف بدافع الثقة بالنفس يتطور.

- وهل الثقة بالنفس التي تقصدها، هي تلك التي تجعلك تخالف القانون؟ وهل النجاح الذي نسعى لتحقيقه هو ذلك الذي يجعلنا نقوم بممارسات خاطئة بشكل قانوني؟

- إذن؛ نحن بحاجة إلى تشديد الرقابة من أجل أن نعلي من قيمة الخوف.

- أنت مُصر على انعدام الخوف، مع أن الجميع يرى أن هناك سلطات رقابية لكنها لا تزال رحيمة.

- هو منعدم، وإلا لم نجد كل هذه التجاوزات في مختلف الجهات: في المدارس، والجامعات، والوزارات، والمؤسسات الخاصة، والشركات، والمحلات التجارية.. هل لي بسؤال؟!!

- تفضل.

- هل تمكنت من إحصاء أخبار الهيئة العامة لحماية المستهلك عن التجاوزات المتعلقة بالغذاء خلال الأشهر الماضية؟

- إنها كثيرة، يصعُب حصرها.

- إذن؛ هذا مثالٌ على أن الخوف على الوطن يحتاج إلى سلطة لكي يوجد.. فالتربية وحدها لا تصنع هذا الخوف، إنها تركز على إخبار الطلاب عدد الفضائل التي قدمها لهم هذا الوطن. ولكن الطلبة غير متفوقين في الرياضيات كما تشير نتائج الاختبارات التي تجرى لهم.

- إذن؛ ما الحل برأيكم لكي نتوج الأخلاق؟

- هناك طريقان من وجهة نظري.

- أخبرنا.

- الأول: أن نوجِد القوانين والآليات التي تكفل لها أن تحرس الوطن من أن يُعتدى على مقدراته المادية والبشرية.

- والطريق الثاني؟!

- أن نعلم طلابنا القانون؛ حتى لا يُساء إليهم باسم القانون.

- ذكرتني بحكاية فريد آلن الكوميدي الأمريكي.

- ما حكايته؟

- قال "لقد تعلمت القانون لدرجة أنني يوم تخرجت رفعت قضية على الكلية وربحتها، واسترددت مصروفات الدراسة التي دفعتها".

- يهون الأمر لو اقتصر على مصروفات الدراسة، لكن من يرعَ قضية ضد من ينتهك القانون، ويهدر مقدرات الوطن؟!!

- وما عنوان الدعوى؟

- التعدي على أبو الأخلاق.

- إذن؛ ستضطر لتقاضي عددًا كبيرًا، وسينتهي عمرك قبل أنت تنتهي من مقاضاتهم.

- هذه عملية شبه مستحيلة.

- لماذا؟

- لأننا لا نزال نخاف على كل شيء أكثر من خوفنا على وطننا، وهذا هو الفارق بيننا وبين اليابانيين وغيرهم.

- انظروا هناك.. إلى من يقف في منتصف الطريق، ويعيق الحركة.

- نحن لا نزال في منتصف الطريق، يُمكن لنا أن نتغلب على كل شيء، لكن لو تمكننا لأبي الأخلاق.

عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته