الإعلان

جدارية.. الدافع والحافز.. بين الكتمان والسرية!

هلال بن سالم الزيدي*

التكريم.. الحافز.. الثناء.. إعطاء كل ذي حق حقه ..  مصطلحات وكلمات تحتاج إلى رؤية وفهم وإدارك من قطبي العمل (العامل، وصاحب العمل (أرباب العمل).. تحتاج إلى معايير شفافة تتقارب فيها الأفكار.. ويؤمن بها العامل قبل المسؤول.. فلماذا لا تكون هذه المعايير دستور كل مؤسسة؟ أو تكون جدارية معلقة على المدخل الرئيسي؟ وإن شئنا جعلناها تعتلي (جهاز البصمة) ليتصبّح ويمسي عليها العامل، وتكون المحفز للإبداع، وتكون الرادع في ذات الوقت لمن تسول له نفسه استغلال وضعه وموضعه.. وبالتالي يجب أن نرسمها بحرفنة وواقعية كي تكون واجهة المؤسسة ومنها يأخذ الموظف مكانته ودوره في نطاق جيئته وذهابه.. إذن نحن بصدد تحسين العمل والاشتغال على تحقيق الجودة.. فيجب أن تكتمل الحلقات وتتلامس الضروريات وتتحد الأولويات... لأننا في عالم متناقض غريب، هذا التناقض يجثم على عدد كبير من المؤسسات لأسباب كثيرة ووفيرة.. فيمكن أن يكون السيد (القيادة) هو السبب، أو المسود هو منبع الأسباب.. فلا تخلو مؤسسة من تناقض في كيفية سن تشريعات التكريم والحوافز .. ولا توجد شخصية لا تميل إلى أهواء الذات في تطبيق مبادرات الحوافز، ولا تخلو قيادة (إن كانت حقا قيادة ) من إثبات نفسها عن طريق استغلال الحافز كعقوبة لمن لا ينالهم .. أو نوعًا من التنكيل تجاه تصرف أو سلوك معين.. في المقابل لا توجد قناعة في العامل أو حد معين في المناداة بالحافز.. ولا يوجد لديه إدراك في فهم منعطفات المؤسسة أو ظروفها التي تمر فيها من حيث الإنتاج.. إذن ومن وجهة نظري المتواضعة هي أسباب تؤخر ظهور الإبداع وتحسين الأداء في محيط العمل المؤسسي.

لكل فرد يتجه منذ الصباح الباكر إلى عمله ويعود في المساء دافع حيال ذلك الفعل الذي يمتد ما يقارب الـ 8 ساعات متواصلة في عدها منفصلة في أدائها.. هذا الدافع يحتاج إلى ظهور عبر سلوكيات وأفعال تتحد خلالها الرغبات والغرائز البشرية لتتكون قيمة الشخصية الاعتبارية الفردية في المجتمع وتتحسس مكامن واجباتها تجاه المنظومة الاجتماعية على المستوى الفردي والجماعي لتتشكل أولى خيوط الثقة بالنفس في بوتقة العمل الهادف إلى الإنتاج، فالدافع قوة داخلية كامنة في النفس البشرية تتنقل بين كافة أعضاء الجسم عبر الشرايين ليقوم العقل ببرمجتها إلى أوامر وأفعال تنفذها الأعضاء الفعالة، لذا فهي بحاجة إلى طاقة مادية ومعنوية خارجية تكون الباعث الحقيقي في تكوّن تلك الدوافع إلى أفعال وإبداعات، هذا الباعث هو الحافز الذي يشكله أرباب العمل لإيقاد الخلايا المنتجة للدافع في جسم الإنسان من خمولها وضعفها إلى نشاطها وثورتها تجاه بيئة العمل.. وهذه هي سنن كونيّة ضرورية ومسلم بها في نطاق تكامل النظم الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء في سبيل بناء الحضارات وتكوين مسارات الشعوب وفق منهج آمن متناسق.

هناك الكثير من النظريّات التي وضعت في نطاق توازي كفتي الدافع والحافز.. منها ما اعتمد على النظرة التقليدية في جعل الأجر هو الحافز، ومنها ما تطرق إلى السلوك بحسب علماء النفس المعتمد على النتائج الإيجابية التي يولدها ذلك العمل حتى تجعل الفرد يقوم بإعادة الكرة مرة أخرى لوجود الفائدة.. ومنها ما ركّز على الشعور والإدراك والأهميّة، والمسؤولية والتقدم الوظيفي والنمو الشخصي وهذه كلها تسمى العوامل الداعمة أو الدافعة للعامل، أمّا منها ما يسمى بالعوامل الوقائية المتمثلة في المؤسسة نفسها من حيث سياستها وإدارتها ونظام العمل فيها وظروفه والعلاقات المتجسّدة في محيط البيئة العملية والأمن الوظيفي للعامل، ومنها كذلك ما يفسر الحاجات الإنسانية في واقع الحياة كحافز وداعم للعمل، وغيرها الكثير.

هنا تتجلى الرغبة الحقيقية في إيجاد البيئة المحفزة للموظف في كافة القطاعات حتى تتكون لديه الطموحات المعتمدة على ثمرة الإنجازات وإيجاد مقارنة واضحة بينهما لتكون ركنا من أركان الحافز.. فبلوغ الهدف مرهون بتحقيق الإنجاز، ومرتبط بقوة التطلع من خلال المعطيات التي تتوفر في نطاق البيئة، وعليه وبحسب ما تشير إليه العديد من النظريات فإنّ هناك تمازجا فيما بينها على أرض الواقع والأهم من ذلك كله وجود سياسة تحفيزية ترافق بناء أي مؤسسة وتسير في مسار تطلعاتها بحيث تكون الرؤية واضحة وشفافة لكل موظف في تلك المؤسسة.

عندما يتحوّل الحافز إلى السريّة المطلقة هل يجب أن نطلق عليه حافزًا؟.. إنّ الأدهى من ذلك كله أن يكون الحافز سريًا للغاية وبلا معايير واضحة، فبين ليلة وضحاها تقوم الإدارة العليا في مؤسسة ما بمنح بعض الموظفين مكافآت (مالية) مصنفة تحت بند السريّة المطلقة، لكن سرعان ما تذوب تلك السرية عن طريق الموظف المكرم عندما يكثر السؤال عن قيمة التكريم أوالمكافأة لبعض الموظفين الآخرين، هنا يتنبه غير المكرمين بأنّ هناك تكريما وصرف مكافآت، لذا هنا تتبادر إلى الذهن المعايير التي جعلت الإدارة تفضيل هذا عن ذاك، وعند السؤال تكون الإجابة: إنّ الموظف المكرم كُرِم نظير عطائه... لتتشكل مجموعة من الأسئلة ما هي أوجه أو معايير التقييم؟ وما هي الآلية التي اكتسبت منها الإدارة شرعيتها في معرفة الموظف المعطي من غير المعطي؟

من وجهة نظري أقول: من الخطأ جدًا أن يتساوى الجميع في التكريم وصرف المكافآت.. ومن الخطأ كذلك أن يكون الحافز سريًا.. لأنّ السرية تخفي مسألة الباعث الذي يولد العطاء والإبداع لدى الموظف.. ومن المجحف أيضًا أن يكون الحافز دون نظم ومعايير واضحة.. وبالتالي سيتحوّل الحافز هنا إلى محاباة ومجاملة تولّد البغضاء بين صفوف المؤسسة، مما يؤثر فيما بعد على الجودة في العمل.. تحيّة لكل مخلص محفّز يتعامل بمبدأ المساواة.

*كاتب وإعلامي

عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته